عمر السهروردي

241

عوارف المعارف

الباب الثامن والعشرون في كيفية الدخول في الأربعينية روى أن داود عليه السلام لما ابتلى بالخطيئة خر للّه ساجدا أربعين يوما وليلة حتى أتاه الغفران من ربه . وقد تقرر أن الوحدة والعزلة ملاك الأمر ومتمسك أرباب الصدق ، فمن استمرت أوقاته على ذلك فجميع عمره خلوة وهو الأسلم لدينه ، فإن لم يتيسر له ذلك وكان مبتلى بنفسه أولا ثم بالأهل والأولاد ثانيا ، فليجعل لنفسه من ذلك نصيبا . نقل عن سفيان الثوري فيما روى أحمد بن حرب عن خالد بن زيد عنه أنه كان يقال : ما أخلص العبد اللّه أربعين صباحا إلا أنبت اللّه سبحانه الحكمة في قلبه ، وزهده اللّه في الدنيا ، ورغبه في الآخرة ، بصره داء الدنيا ودواءها ، فيتعاهد العبد نفسه في كل سنة مرة . وأما المريد الطالب إذا أراد أن يدخل الخلوة ، فأكمل الأمر في ذلك أن يتجرد من الدنيا ، ويخرج كل ما يملكه ويغتسل غسلا كاملا بعد الاحتياط للثوب والمصلى بالنظافة والطهارة ، ويصلى ركعتين ، ويتوب إلى اللّه تعالى من ذنوبه ، ببكاء وتضرع ، واستكانة وتخشع ، ويسوى بين السريرة والعلانية ، ولا ينطوى على غل وغش وحقد وحسد وخيانة . ثم يقعد في موضع خلوته ولا يخرج إلا لصلاة الجمعة وصلاة الجماعة ، فترك المحافظة على صلاة الجماعة غلط وخطأ ، فإن وجود تفرقة في خروجه يكون له شخص يصلى معه جماعة في خلوته ، ولا ينبغي أن يرضى بالصلاة منفردا البتة ، فيترك الجماعة يخشى عليه آفات ، وقد رأينا من يتشوش عقله في خلوته ، ولعل ذلك بشؤم إصراره على ترك صلاة الجماعة ، غير أنه ينبغي أن يخرج من خلوته لصلاة الجماعة وهو ذاكر لا يفتر عن الذكر ، ولا يكثر إرسال الطرف إلى ما يرى ، ولا يصغى إلى ما يسمع ،